نشرت مؤسسة حرية الفكر والتعبير دراسة قانونية في 11-08-2014، تناقش الرقابة على المطبوعات فى مصر. وتضمنت هذه الدراسة 6 فصول؛ يتناول الاول الإطار الدستوري لحرية اصدار وتداول المطبوعات، والثاني قيود الاصدار والتداول، والثالث الرقابة على المحتوى، والرابع المنع والتعطيل والالغاء والضبط والمصادرة، أما الخامس فيركز على القيود الجنائية على حرية اصدار وتداول المطبوعات، والاخير عن المعايير الدولية لحرية اصدار وتداول المطبوعات. كما تضمنت الدراسة نماذج لقضايا الرقابة على المطبوعات، وانتهت الدراسة الى توجيه توصيات الى الحكومة المصرية.

الإطار الدستوري لحرية اصدار وتداول المطبوعات:
تقارن الدراسة في هذه الفقرة بين الاعلان الدستوري الصادر في 4 يوليو 2013 ودستور 2012 ودستور 1971، ولم تتطرق الدراسة الى دستور 2013 حيث انه تمت صياغتها قبل اصداره.

توضح الدراسة أن الإعلان الدستوري الصادر في 4-7-2013 حظر الرقابة على الصحف أو انذارها أو وقفها أو الغائها بالطريق الاداري لكنه أجاز فرض رقابة محدودة عليها فيما يخص الأمن القومي في حالة اعلان الطوارئ أو في زمن الحرب. وقد خالف هذا الإعلان دستور 2012 الذي كفل حرية الصحافة والطباعة والنشر لكنه اشترط أن تكون هذه الحرية في إطار المبادئ الأساسية للدولة والمجتمع والحفاظ على الحقوق والحريات والواجبات العامة واحترام الحياة الخاصة للمواطنين ومقتضيات الأمن القومي، وهي العبارات الفضفاضة التي تسمح للسلطة بتقييد حرية الصحافة. بالإضافة الى ذلك، توضح الدراسة، أن دستور 2012 قام بتوسيع دور الأزهر ممثلا في هيئة كبار العلماء بحيث منح لها سلطة ابداء الرأي في الأمور المتعلقة بالشريعة الإسلامية كافة، وهو ما يعني تقنين رقابة الأزهر على المحتويات التي تناقش أو تتناول الشأن الإسلامي بصوره المختلفة.
أما دستور 1971 فقد فرض بابا كاملا لسلطة الصحافة، وكفل نفس الحقوق والحريات التي عاد وكفلها كل من دستور 2012 والاعلان الدستوري في 2013، الا أن دستور 1971 قصر حق اصدار الصحف على الأشخاص الاعتباريين فقط في حين كفل دستور 2012 الحق للأشخاص الطبيعيين كذلك.
 
2-التشريعات المنظمة لإصدار وتداول الصحف او المطبوعات:
تتضمن هذه التشريعات العديد من القيود الاجرائية والعقابيةالتي تؤدي الى فرض رقابة على حرية النشر والطباعة وحرية التعبير. وأشارت الدراسة الى أن الرقابة تبدأ من مرحلة الطباعة حتى الوصول الى توزيع المطبوعات، وينظم ذلك قانون المطبوعات الصادر عام 1936 والذي يعد القانون العام الذي يخص المطبوعات الدورية وغير الدورية، أما المطبوعات الدورية التي تأخذ شكل الصحف فينظم عملها قانون تنظيم الصحافة الصادر عام 1996.

وقد تناول التقرير في هذه الفقرة الرقابة على المطبوعات بشكل عام أولا، ثم القيود التي تفرضها القوانين على الصحف.
 
أ‌) الرقابة على الطباعة:
تشير الدراسة الى انه عند فتح مطبعة، يجب على الطابع ان يقدم اخطارا كتابيا الى المحافظة او المديرية التي تقع المطبعة في دائرتها، وفقا لقانون المطبوعات رقم 20 لسنة 1936.
اما بالنسبة لطباعة الجرائد فيجب على كل طابع اخطار المحافظة او المديرية قبل طبع الجريدة ان يقدم اخطارا كتابيا للمحافظة او المديرية، وفقا لقانون المطبوعات رقم96 لسنة 1996. كذلك تلزم المادة الخامسة من قانون المطبوعات عند اصدار أي مطبوع ان يودع عشر نسخ منه في المحافظة او المديرية التي يقع فيها، مما يعد رقابة مسبقة على الجرائد.

ب‌) الرقابة على توزيع وبيع المطبوعات:
تشير الدراسة الى ضرورة الحصول على رخصة من وزارة الداخلية للتمكن من بيع او توزيع المطبوعات في الطريق العام او في أي محل عمومي اخر، ولو كان ذلك بصفة عارضة او مؤقتة.

ت) الرقابة على اصدار الصحف:
يعرف قانون الصحافة الصادر عام 1996 الصحف بانها المطبوعات التي تصدر باسم واحد وبصفة دورية؛ كالجرائد والمجلات ووكالات الأنباء. اما قانون المطبوعات فيعرفها بأنها كل مطبوع يصدر باسم واحد بصفة دورية في مواعيد منتظمة أو غير منتظمة.

- الرقابة الإجرائية على اصدار الصحف:

توضح الدراسة أن الإجراءات المتبعة لإصدار الصحف تختلف في القانون المنظم للصحافة الصادر عام 1996 عن تلك المنصوص عليها في قانون المطبوعات. وفرضت الدراسة فقرة عن الإجراءات المتبعة في كل من القانونين.
ولخصت الدراسة الى أن اصدار الصحف في القانون المصري مشروط بترخيص ولا يكفي فقط الاخطار. وذلك يمثل، وفقا للدراسة، رقابة مسبقة على حرية اصدار الصحف ويمكن السلطة التنفيذية من النيل من حرية الصحافة.
وأشارت الدراسة كذلك أن الصحف الصادرة من الأحزاب والنقابات والاتحادات تخضع لشرط الترخيص كذلك، ولكنها لا تخضع لشرط الشكل القانوني.

بالإضافة الى ذلك، انتقدت الدراسة حظر الترخيص بإصدار الصحف للممنوعين من مباشرة حقوقهم السياسية معتبرة أن ذلك يمثل تمييزا واضحا في ممارسة حرية الصحافة وتداولها، مذكرة أن منع شخص من ممارسة حقوقه السياسة يتنافى كذلك مع المواثيق الدولية الملزمة بها مصر.
 
3-الرقابة على المحتوى:
تشير الدراسة الى أن قانون رقم 96 لسنة 1996 حظر فرض أي رقابة على الصحف، لكنه استثنى من ذلك حالة الطوارئ وزمن الحرب، فأجازت الرقابة على الصحف بالنسبة للأمور المتعلقة بالسلامة العامة وأغراض الامن القومي. وقد أصبح لهذا الاستثناء مكانة دستورية بموجب الاعلان الدستوري الصادر في 4 يوليو 2013.

تشير الدراسة الى أن "السلامة العامة" و"أغراض الامن القومي" ليس لها تعريف قانونيدقيق، مما يضع حرية التعبير فى الصحف والمطبوعات وكذلك اصدارها تحت طائلة هذه الحجج المطاطية مما يسمح للسلطة التنفيذية بالتوسع في تعريف هذه المصطلحات وبالتالي احكام الرقابة على الصحف. وقد حظر القانون في غير تلك الحالات الرقابة على الصحف والمطبوعات، ولكنه علق هذا الحظر على ثلاثة شروط، كما تشير الدراسة، هي: عدم الاخلال بمقتضيات الامن القومي، عدم الاخلال بمقتضيات الدفاع عن الوطن، وعدم الاخلال بمصالح الدولة العليا. وهو الأمر الذي يؤدى فعليا الى الرقابة على المطبوعات بصورة مستمرة، في كل الأوقات والظروف.

وتشير الدراسة الى حظر القانون تناول الصحف ما تتولاه سلطات التحقيق أو المحاكمة بما يؤثر على صالح التحقيق أو المحاكمة.

 4-المنع، التعطيل، الإلغاء، الضبط والمصادرة: قيود عقابية على حرية اصدار الصحف.
اشارت الدراسة الى أن القوانين المتعلقة بإصدار وتداول المطبوعات حددت الجزاءات التي توقع نتيجة لمخالفة احكامها، وهي: منع دخول المطبوع إذا كان واردا من خارج مصر، وتعطيل طباعته او توزيعه، والغاء الترخيص الصادر له، وضبط نسخ المطبوع أو مصادرتها. وقد تطرقت الدراسة الى هذه الجزاءات بالتفصيل.

5-القيود الجنائية على حرية اصدار وتداول المطبوعات
 ركزت الدراسة في هذا الفصل علىالقيود الجنائية على حرية اصدار وتداول المطبوعات. فذكرت ان القانون المصري يعاقب على اوجه التحريض بطرق العلانية كالتحريض بوجه عام، والتحريض على قلب نظام الحكم، خدش الحياء العام، الاساءة لسمعة البلاد، اهانة رئيس الجمهورية، اهانة الهيئات النظامية والموظفين العموميين، الاخلال بمقام القضاة والتأثير في توجهاتهم ونشر اخبار القضايا والتحقيقات، نشر الأخبار الكاذبة، وتناول الأديان السماوية بأي طريقة تنطوي على تحقيرها أو اهانتها.

6-المعايير الدولية لحرية اصدار وتداول المطبوعات:
تناولت الدراسة في هذا الفصل المعايير المنصوص عليها في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية المنضمة اليها مصر والخاصة بحرية اصدار وتداول المطبوعات. فذكرت المواد المنصوص عليها في كل من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
 
القيمة المضافة للدراسة: نماذج لقضايا الرقابة على المطبوعات
على قدر أهمية التذكير بالقيود القانونية المفروضة على حرية اصدار وتداول الصحف والمطبوعات، تبقى تطبيقات القانون والانتهاكات على أرض الواقع هي الأهم. ولذلك، يعد هذا الجزء من الدراسة هو الجزء الأهم، والقيمة المضافة للدراسة.

وقد ذكرت الدراسة ب15 قضية تتعلق بالرقابة على المطبوعات، نذكر منها: الحكم الصادر من محكمة جنح قصر النيل عام 2008 بمصادرة رواية "مترو" وتغريم المؤلف والناشر، واستندت المحكمة في حكمها الى ان كلمات (شرموط-عرص-خولات) الواردة بالكتاب بذيئة وخادشة للحياء، مما يجعلها لا تتوافق مع قيم المجتمع المصري.

وعلى نقيض ذلك، حكمت محكمة القضاء الإداري في 2010 بإلغاء قرار رفض التصريح بنشر كتاب "براءة النبي يوسف من الهم بالسوء والفحشاء" من قبل مجمع البحوث الاسلامية، التابع للأزهر.

التوصيات:
وجهت مؤسسة حرية الفكر والتعبير في نهاية هذه الدراسة بعض التوصيات للسلطة التنفيذية في مصر، منها ضرورة تفعيل الحكومة المصرية لالتزاماتها الدولية المتعلقة بحرية التعبير والحريات المرتبطة بها، وعلى وجه الخصوص المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والمادة 15 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والسماح للأشخاص الطبيعيين بإصدار المطبوعات كما طالبت بإلغاء قانون رقم 20 لسنة 1936، وتعديل قانون رقم 96 لسنة 1996، بما يضمن حرية اصدار المطبوعات الدورية وغير الدورية دون قيود.