بتاريخ 20-9-2014، نفذت الحكومة اللبنانية  قرار مجلس شورى الدولة الصادر في 3-4-2014، الذي الزمها بتسليم كامل ملف التحقيقات حول مصير المفقودين الذي انجز في العام 2000 الى ذويهم، عملا بحق المعرفة. وبذلك اختتم ذوو المفقودين جولة ضمن معركة تحديد المصير التي ارتكز مسارها على خطة استراتيجية طويلة الامد، رسمت اسسها منذ العام 2008. في أواخر هذا العام، وضعت دراسة بعنوان "ذوو المفقودين ازاء سياسات الصمت والانكار: أي ابواب لنقل مطالبهم الى حلبات القضاء؟"، وقد شكلت هذه الدراسة مستندا جديدا من نوعه، هدف الى حث ذوي المفقودين وتحديدا لجنة اهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان وجمعية دعم المعتقلين والمنفيين اللبنانيين (سوليد)، بشأن امكانية نقل معركتهم الى حلبة القضاء بغية تحقيق دفع معين في قضاياهم، ولا سيما في ظل انكفاء السلطات العامة عن تقديم اي دعم فاعل في هذا الصدد. اللبنة الجوهرية لهذا التقرير تمثلت بتقديم اقتراحات ضمانا لحق المعرفة على الصعيدين القضائي وكذلك التشريعي.  

نقل معركة تحديد المصير امام القضاء
بتاريخ 29-4-2009، تقدمت «لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان»، و«جمعية دعم المعتقلين والمنفيين اللبنانيين سوليد» الى رئاسة مجلس الوزراء، بطلب الاستحصال على نسخة كاملة عن ملف التحقيقات الآيلة إلى تحديد مواقع المقابر الجماعية وتقرير الأطباء الشرعيين،آملة من الحكومة ان تقر بالحقوق المشروعة للمستدعين. وانفاذا للخريطة المقررة في الاستراتيجية السالفة الذكر، عقدت لجان ذوو المفقودين مؤتمرا صحافيا في اليوم نفسه في حرج بيروت، لما لهذا المكان من حيثية ورمزية كونه يكتنف احدى المقابر الجماعية[1]، لاطلاق معركة تحديد مصائر المفقودين قضائيا: "نعلن من هذا المكان بالذات، وبعدما نفذ صبرنا من مماطلة وتهرب المسؤولين، أننا قررنا اتخاذ خطوات غير مسبوقة في لبنان". وفي هذا السياق، اعلن عن تقديم دعويين في نيسان من العام 2009  أمام قاضي الأمور المستعجلة في بيروت، وهدفهما اتخاذ تدابير حمائية للمقبرتين الجماعيتين اللتين أقرّت الدولة بوجودهما داخل مدافن الشهداء في منطقة حرج بيروت ومدافن مار متر في الأشرفية (الدعوى ضد مطرانية الروم الأرثوذوكس مالكة المكان)، تمهيداً لنبشهما، وحفظاً لحق ذوي هؤلاء الضحايا في المعرفة. والى جانب ذلك، على أثر تخلف مجلس الوزراء عن الاجابة على الطلب المحال اليه من قبل الجمعيات المعنية ضمن مهلة الشهرين الملحوظة قانونا، ما يؤشر قانونا الى قرار ضمني بالرفض، تقدمت اللجنة والجمعية بمراجعة امام مجلس شورى الدولة بواسطة وكيلهما المحامي نزار ضاغية لـ«إبطال قرار الرفض الضمني الصادر عن رئاسة مجلس الوزراء للاستحصال على نسخة عن الملف الكامل لتحقيقات لجنة التحقيق الرسمية للاستقصاء عن مصير جميع المخطوفين والمفقودين، وبالتالي إلزام الدولة بتسليمهما النسخ المطلوبة، وتحميلالدولة الرسوم والمصاريف والنفقات».

ميزة هذه الاجراءات تكمن بكونها مرفوعة باسم الجمعيات الأكثر تمثيلا لذوي الضحايا وليس باسم أفراد، الامر الذي من شأنه ان يخرج المطالبة الحقوقية من طابعها الفردي الى طابعها الجماعي، وتاليا ان يعطي زخما لهذه القضية التي تفترض ضرورة التكاتف والتضامن في مواجهة سلطة سياسية تسعى بشكل حثيث لاغلاق الملف بمعزل عن اي جهد لايجاد حل عادل.

الميزة الثانية تمثلت بتغليب حق المعرفة بأبعاده الحقوقية (حقوق ذوي المفقودين) على المنطق العقابي (بمعنى معاقبة الخاطفين أو القتلة). اما الميزة الثالثة فهي تتمثل بتحويل المعركة من مخاطبة السياسيين، الذين اثبتوا تخاذلهم بهذا الصدد، الى مخاطبة القضاء الذي هوو ملزم باصدار حكم في نهاية المطاف.
 
قرارات قضائية تمهد الطريق لضمان حق المعرفة
بعدما بقيت الدعوى المقدمة الى مجلس شورى الدولة في ادراج المجلس لردح من الزمن، أصدر المجلس قرارا بتاريخ 3-4-2014 بالزام الدولة بتسليم كامل ملف التحقيقات الى ذوي المفقودين مكرسا بذلك حق المعرفة. وقد سارعت المفكرة القانونية مع آخرين الى وصفه بالقرار التاريخي.
فور ذلك، سارعت السلطات العامة الى تقديم طلب اعادة محاكمةضد القرار المذكور بواسطة هيئة القضايا، متنكرة مجددا لحقوق ذوي المفقودين. ردا على ذلك، قدمت عدد من الجمعيات والمنظمات الحقوقية طلبا رسميابتاريخ 2-6-2014، الى رئيس مجلس الوزراء تمام سلام، داعين اياه "الى الايعاز لهيئة القضايا بالتراجع عن استدعاء إعادة المحاكمة والمبادرة فورا الى تنفيذ القرار في موا زاة اتخاذ كامل التدابير اللازمة لضمان حق ذوي المفقودين بالمعرفة"، تحت طائلة اعتباره  "مسؤولا مباشرة عن التعذيب المتمادي بحق ذوي المفقودين". لم يستجب الاخير لهذا المطلب، الا ان مجلس شورى الدولة حسم المسألة بقرار ثان صدر في 1-6-20141، حين رد طلب وقف تنفيذ الحكم المرفق بطلب إعادة المحاكمة لعدم توفر شروطه.

وكان القضاء المستعجل قد أصدر قبل القرار المذكور مجموعة من القرارات الهامة بتعيين خبراء للكشف على مواقع يشتبه بأنها تحتوي على مقابر جماعية[2].
 
النتيجة الأولى لحكم الشورى: اقتراح قانون ضمانا لحق ذوي المفقودين
النتيجة القانونية الأبرز حصلت بعد أقل من شهر من صدور القرار. فقد تبنىالنائبان غسان مخيبر وزياد القادري مسودة اقتراح القانون الذي كانت أنجزته لجان المفقودين بالتعاون مع المركز الدولي للعدالة الانتقالية في شباط 2012 بهدف تكريس حق المعرفة، وسجلاه في قلم المجلس النيابي قي 16-4-2014. ويذكر أن اللجنة أسمت هذا المشروع في أيلول 2013 "مشروع قانون محيي الدين حشيشو"، وذلك تبعا لتبرئة المتهمين بخطف حشيشو الذي أصبحت قضيته رمزا لقضايا المفقودين.
 
معركة تنفيذ حكم مجلس شورى الدولة
ورغم ذلك، اختارت الحكومة أن تبقى متمسكة بموقفها التعسفي المزمن رغم وضوح القرار ورد طلب تنفيذه. وعليه، وبدل أن يشكل القرار بداية تحول لطريقة تعاملها مع حقوق ذوي المفقودين، انسحب تنكرها لحقوق هؤلاء الى تنكر للقرارات القضائية ومعها للقضاء.  

وبذلك انطلقت معركة تنفيذ حكم مجلس شورى الدولة. فبتاريخ 16-6-2014، اجتمع وفد من المنظمات المدنية ترأسه وداد حلواني، رئيسة الهيئة الادارية للجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان مع وزير العدل أشرف ريفي، الذياعلن موقفا داعما ملتزما ببذل كل ما بمستطاعه لتنفيذ القرار ضمن اقصر المهل. وقد طالبه الأهالي بالمساهمة في اقرار اقتراح القانون السالف الذكر، وباقامة نصب حيّ للمفقودين في حديقة قصر العدل تتوسطه الحيثية الواردة في الحكم القضائي الصادر في 4-3-2014 والقائلة بأن "حق ذوي المفقودين بمعرفة مصيرهم هو حق طبيعي .. مما يستتبع اعلان حق ذوي المفقودين بالاطلاع على كافة التحقيقات لكشف مصيرهم وأن هذا الحق لا يقبل أي تقييد أو انتقاص أو استثناء".

لم تكتف الجمعيات  بالحراك على المستوى الرسمي، انما أطلقت حملة: "زورونا" داعيةالى المداومة الى جانبها أمام السراي الحكومي ابتداء من 18-9-2014 وفي كل خميس من الساعة 11 قبل الظهر حتى 3 بعد الظهر، للمطالبة بتنفيذ قرار مجلس شورى الدولة.وفي اثر الاعتصام الذي باشره ذوو المفقودين امام السراي الحكومي بتاريخ 18-9-2014، تعهدت السيدة مرفت عيتاني رئيسة مصلحة الديوان في مجلس الوزراء، بتكليف من رئيس الحكومة تمام سلام،  بتجهيز كامل مستندات ملف التحقيقات بمصير المفقودين وتسليمه وهذا ما حصل فعليا بتاريخ 20-9-2014. وكان النائب غسان مخيبر تقدم بتاريخ الاعتصام بسؤال الى الحكومة حول سبب تأخير الادارات المعنية بتنفيذ قرار مجلس شورى الدولة الصادر في 4-3-2014 واعطاء المستدعين المعلومات الرسمية بشأن اهالي المفقودين والمخطوفين وضحايا الاخفاء القسري.
وفي 25-9-2014، عقدت لجان ذوي المفقودين مؤتمرا صحافيا في الحديقة المقابلة للسرايا لعرض تقييمها لتسليمها تقرير التحقيقات ومضمونه.


[1] تقرير لجنة التحقيق الرسمية للاستقصاء عن مصير جميع المخطوفين والمفقودين (الصادر بتاريخ 25/7/2000) «التي كانت قد شكّلت بقرار صادر عن رئيس مجلس الوزراء آنذاك الرئيس سليم الحص (القرار رقم 10/2000 تاريخ 21/1/2000). وقد تضمن هذا التقرير إقراراً واضحاً بالعثور على مقابر جماعية موجودة داخل عدد من المناطق منها مدافن الشهداء في منطقة حرج بيروت ومدافن مار متر في الأشرفية ومدافن الإنكليز في التحويطة وفي البحر.