على ضوء إصرار الدولة اللبنانية على رفضها نشر كامل نتائج التحقيقات التي قامت بها لجنة مناهضة التعذيب في لبنان، اكتفت اللجنة بنشر موجز عنها في المرفق الثالث عشر لتقريرها السنوي. وقد استند التقرير على التحقيق السري الذي قامت به اللجنة والذي امتد من أيار 2012 الى نيسان 2013، وبشكل خاص على المعلومات المستسقاة من زيارة اللجنة لبنان خلال شهر نيسان 2013. وكانت اللجنة خلال زيارتها هذه قد التقت مع ممثلين عن منظمات المجتمع المدني، بعض ممن تعرضوا للتعذيب او ممن كانوا شهودا على عمليات تعذيب، كما التقت اللجنة بوزير العدل والمدعي العام التمييزي ورئيس مجلس القضاء الأعلى ومدير المخابرات العسكرية والمدير العام للامن العام والمدير العام لقوى الامن الداخلي (...)، وموظفي السجون والموظفين الطبيين الموجودين في أماكن الاحتجاز.

كما قامت اللجنة بزيارة 20 مركز احتجاز "بما في ذلك مخافر الشرطة، ومرافق الاحتجاز التابعة للمحاكم، والسجون المدنية وغيرها من مرافق الاحتجاز الخاضعة لسلطة فرع المعلومات التابع لقوى الامن الداخلي ووزارة الدفاع" كما قامت بزيارة نظارة المديرية العامة للأمن العام المخصصة لاحتجاز الأجانب.
 
ماذا قالت السلطات اللبنانية حول ظاهرة التعذيب؟
لم ينف أي من ممثلي السلطات وجود اعمال تعذيب في لبنان، الا أنهم وصفوها بأنها "حالات معزولة"  وضعت في إطار الاستثنائي. فيشير التقرير في هذا الخصوص الى ما صرح عنه المدعي العام التمييزي حينها سعيد ميرزا، على ان "معظم الحالات المبلغ عنها (التعذيب) تحدث في مخافر الشرطة ومراكز التحقيق". إلا ان ما عبر عنه مدعي عام التمييز لم يجر دعمه بأي إحصاءات، فنقرأ في تقرير اللجنة "مع ذلك لم تكن السلطات قادرة على تقديم إحصاءات شاملة عن الشكاوى والتحقيقات والمحاكمات والادانات في قضايا التعذيب وسوء المعاملة. ولم تكن قادرة أيضا على تقديم معلومات عن تدابير الانصاف والتعويض بما في ذلك وسائل إعادة التأهيل التي تأمر بها المحاكم و/أو المقدمة فعلاً للضحايا".

ولعل النقص في التوثيق هذا، يسهل على الحكومة اللبنانية ادعاءها بأن اللجوء الى التعذيب أمر استثنائي. أما بالنسبة لجهود السلطات اللبنانية التي تقوم بها لمكافحة اعمال التعذيب (وفق ما صرحت به هذه الأخيرة) فتتمثل ب إنجاز "مشروع قانون لتعديل القانون الجنائي وقانون الإجراءات الجنائية (...) الذي ينص على إدراج جريمة التعذيب في النظام الجنائي اللبناني"، وان "اللجنة التشريعية في البرلمان أيدت مشروع قانون لإنشاء مؤسسة وطنية لحقوق الانسان"، لكن هذا المشروع لم يعرض على موافقة البرلمان. وأبلغت السلطات اللبنانية علاوة على ذلك بأن خطة الاستراتيجية الوطنية بشأن حقوق الانسان والتي وضعت في كانون الأول 2012 تتضمن فصلا يركز بالتحديد على التعذيب وأجزاء ذات صلة عن حالات الاختفاء القسري والمحاكمات العادلة والظروف في السجون وإصلاح نظام السجون."

كما أفادت السلطات اللبنانية أن لجنة مكافحة التعذيب في قوى الامن الداخلي قامت ب 46 زيارة لأماكن الاحتجاز وحققت في 26 حادث في العام 2012. إلا انه، وفقا لملاحظات اللجنة، تبقى المعلومات الواردة لدى لجنة مكافحة التعذيب في قوى الامن الداخلي "ضئيلة عن طبيعة الانتهاكات بالذات والعقوبات التأديبية التي انزلت بمرتكبيها".
 
الضحايا ومنظمات المجتمع المدني: التعذيب يقع في مرحلة التحقيقات الأولية
المعلومات التي حصلت عليها اللجنة من خلال المقابلات التي أجرتها مع الضحايا والشهود ومنظمات المجتمع المدني أكثر دقة من تلك التي حصلت عليها من السلطات الرسمية، كما كانت متطابقة مع ما ورد في البلاغ المقدم من منظمة الكرامة الى لجنة مناهضة التعذيب. فقد أشارت جميع هذه المعطيات الى ان التعذيب وسوء المعاملة يقعان "بشكل أساسي خلال التوقيف والاستجواب في بعض مخافر الشرطة وكذلك في مرافق الاحتجاز الواقعة تحت مسؤولية قوى الامن الداخلي وأجهزة المخابرات العسكرية".
 
جميع الأجهزة الأمنية مشتركة في اللجوء الى التعذيب...كذلك عناصر تابعة لمجموعات مسلحة
كان مخفر حبيش ضمن المخافر التي قامت اللجنة بزيارته حيث سمعت "ادعاءات عديدة ومتكررة عن ممارسة افراد قوى الامن الداخلي للتعذيب وسوء المعاملة بحق السجناء، عند التوقيف او لاحقا خلال التحقيق في مكان الاحتجاز لدى الشرطة". كما أشار التقرير الى ما ورد في إفادات اشخاص تم توقيفهم في قضايا مرتبطة بجرائم المخدرات، عن توقيفهم من قبل عناصر مسلحة تابعة لحركة امل وحزب الله وتعذيبهم على ايدي هذه المجموعات قبل تسليمهم الى قوى الامن الداخلي، وأن التعذيب استمر خلال عملية نقل الموقوفين الى مراكز الشرطة وبعد وصولهم. 

اما بالنسبة لنظارات قصور العدل، فلفتت اللجنة الى انها لم تسمع عن وقوع أي حالات تعذيب او سوء معاملة في مرافق الاحتجاز التابعة لمحكمتي طرابلس والنبطية. اما بالنسبة لنظارة قصر عدل بيروت، فالأمر مخالف بحيث سمعت اللجنة "عدة ادعاءات بخصوص حالات تعذيب وسوء معاملة بدنية حديثة للمشتبه بهم على يد المخابرات العسكرية، مورست أساسا خلال الاستجواب بغية نزع الاعتراف".

كما أشار التقرير الى التعذيب الذي تعرض له الموقوفون الإسلاميون، بشكل خاص خلال فترة احتجازهم لدى مركز فرع المعلومات الواقع في مبنى المديرية العامة للأمن الداخلي (الاشرفية، بيروت) في غرف الاستجواب الخمس المجهزة والمخصصة لهذا الغرض. وهذا أيضا ما التمسته اللجنة خلال زيارتها لسجن المخابرات العسكرية في مقر وزارة الدفاع في اليرزة (الذي صادف انه كان فارغاً يوم الزيارة!)، حيث أقر رئيس التحقيق بوجود ادعاءات تتعلق بأعمال تعذيب وسوء معاملة يقال انها تحدث في مركز الاحتجاز هذا."

زارت اللجنة أيضا نظارة الامن العام (الواقعة في منطقة العدلية بيروت) حيث التقت ببعض الأجانب المحتجزين هناك، منهم من أراد التحدث للجنة ومنهم من كان خائفا من التعرض لأعمال انتقامية في حال علم بتحدثهم للجنة، غير ان ما ظهر من الشهادات هو تعرض البعض منهم للتعذيب على ايدي عناصر من الامن العام اللبناني او/وقوى الامن الداخلي.

هذا وكان قد تبين ان 45.83 % من المحتجزين الذين قابلتهم اللجنة (أي 99 من أصل 216) قد تعرضوا "لأعمال تعذيب مارسها موظفون مكلفون بإنفاذ القانون، ولا سيما عناصر قوى الامن الداخلي ومديرية المخابرات العسكرية. وحدثت جل حالات التعذيب وسوء المعاملة المبلغ عنها أثناء التوقيف وفي المرحلة الأولى من الاحتجاز وخاصة خلال جلسات الاستجواب". كما اشارت اللجنة الى اعمال تعذيب وسوء معاملة يقدم عليها عناصر القوى الامنية خلال نقل السجناء من مكان الى آخر في آليات النقل التابعة للقوى الأمنية. ومن هنا يصبح التساؤل مشروعا حول فعالية التدريب الذي خضع له عناصر قوى الامن الداخلي، لا سيما عناصر مخفر حبيش الذي اكتفى فقط بتغيير الظاهر، أي اسمه، ليصبح مركز "الشرطة النموذجية".هذا مع العلم ان الحكومة لم تسلم اللجنة أي معلومات "عن تقييم تلك البرامج التدريبية وفعاليتها" رغم طلبها.  

ماذا عن القضاء؟
لم تخل ملاحظات اللجنة من انتقاد موجه للقضاء اللبناني، لا سيما قضاة التحقيق، الذي وصفت تصرفاتهم بال “غير مهني(ة)". كما لفت الى خلل أوسع وأشمل في كيفية عمل نظام العدالة الجنائية، الذي، وفق تحليل اللجنة، يسهل إفلات الجناة من العقاب خاصة في ظل "تقاعس المحاكم عن الامر بالتحقيق في ادعاءات اللجوء الى التعذيب لانتزاع الأدلة" وغياب محام خلال مرحلة الاستجواب. ويتمثل هذا الخلل بشكل خاص في المماطلة بإنجاز الاخطارات الإجرائية مما "يحرم المحتجزين من حقهم في الطعن في القرارات"، كما نوهت الى "حالات تأخير لا مبرر لها بين جلسة الاستماع الأولى وما يليها" والى “صعوبة احضار المحتجزين للمثول امام قاض بسبب النقص في وسائل النقل" وغياب أي "تنسيق بين السلطات القضائية والشرطة والسلطات العسكرية."