لم يستفق المجتمع المدني بعد من هول صدمة ما اصطلحوا على تسميته ب"مجزرة نفذت باسم القانون"، تبعا لاقدام السلطات الأردنية على إعدام 11 سجينا في 21-12-2014. وكان هؤلاء قد صدر بحقهم أحكام مبرمة بانزال عقوبة الإعدام بهم، ولم تنفذ رغم صدورها منذ سنوات بفعل قرار الحكومات الأردنية بتعليق نفاذ هذه العقوبة منذ 2006. الخطوة الرسمية لم تأت دون تمهيد فقد سبق وأعلن وزير الداخلية حسين المجالي في 9-11-2014 عن درس الحكومة لخطوة إعادة تفعيل العقوبة بعد 8 أعوام من تجميدها وذلك لما وصفه "كثرة ارتكاب الجرائم في الأعوام الأخيرة".

"العين بالعين والسن بالسن، ولكم في القصاص حياة"، وغيرها الكثير من عناوين مقالات وأخبار مشابهة أمطرها كتاب وصحفيون تبعا لتنفيذ الاعدامات على مواقع إخبارية إلكترونية وصحف يومية، فبدت السلطات الأردنية وكأنها نجحت أخيرا في جمع الإسلامي والعشائري والموالي والناشط المعارض في هدف واحد قوامه مصلحة البلد في إعدام من يقتل.وهي بذلك حسمت الجدل خلال سنوات تجميد عقوبة الاعدام، معلنة بلسان الناطق باسم وزارة الداخلية زياد الزعبي أنها عادت إلى المسار الصحيح أي الى تنفذيذ هذه العقوبة. ومع اعدام هؤلاء، يبقى في سجون الأردن 111 سجنيا محكوما بالاعدام شنقا، من بينهم 12 امرأة. ويلحظ أن جميع الذين نفذت العقوبات بحقهم كانوا ذكورا تتراوح اعمارهم بين 30 الى 45 عاما وارتكبوا جرائم قتل من دون أن تندرج أي من جرائمهم تحت إطار "الإرهاب".
وفي خضم الزوبعة الحقوقية التي أحدثها تعليق المشانق، تساءل نشطاء حقوقيون حول سبب الاكتفاء بتنفيذ العقوبة ب 11 فقط وحول معايير اختيارهم. وقد جاءت الإجابة الرسمية الوحيدة على هذه التساؤلات في تصريح لنائب عام عمان القاضي زياد الضمور لصحيفة الرأي ذات الاتجاه الرسمي، حين قال: "هذه الاحكام التي استدعت تنفيذها صدرت منذ اعوام 2005 و2006 باتت قطعية وقابلة للنفاذ. لكن خلال السنوات الماضية كان هناك تجميد لعقوبة الاعدام وحاليا تم تفعيلها".وبالطبع، تبقى هذه الاجابة مقتضبة ومبهمة والأهم فارغة. وقد سجل حقوقيون أنه مع تنفيذ العقوبة، يكون هؤلاء قد نفذوا عمليا عقوبتين عن الجرم نفسه: واحدة غير محكوم بها وهي سجنهم لسنوات وصلت ل10 أعوام، والثانية محكوم بها وهي إعدامهم.

اتهام المنظمات الحقوقية بالعمالة
الجدل على تنفيذ عقوبة الإعدام ما بين مؤيد ورافض لها، تجاوزه في أحيان إلى حد توجيه اتهامات مباشرة لمنظمات حقوقية محلية بالعمالة المباشرة لتوجهات الغرب بما لا يسمح للدولة بتطبيق القانون سندا لدينها الذي هو الاسلام وفق منطوق الدستور الأردني. وقد رأت الأصوات المؤيدة لتطبيق العقوبة في تنفيذ حكم الإعدام عقابا دينيا للجناة ورادعا لكل من تسول له نفسه، ليسوق الكثير منهم في مقالات أو تعليقات على شبكات التواصل الاجتماعي قصصا عن قتل واغتصاب تزيد من حجم تأييدهم العقوبة.
صحيفة الدستور اليومية واحدة من الصحف التي هللت لتنفيذ العقوبة. وفي مقالتها الإفتتاحية الصادرة بعد يوم واحد من صدور الحكم (22-12-2014)، أيدت الحكم بوصفه "مطلبا شعبيا وتطبيقا شرعيا" وربما كان كاتبها قلقا على الوضع الاقتصادي للدولة الأردنية فرأى في نهاية المقالة بأن "عدم تنفيذ العقوبة وبقاء المجرم في السجن من شأنه أن يزيد من أعباء الكلف المالية ذلك أن كلفة كل نزيل في مراكز الإصلاح والتأهيل 700 دينار شهريا على خزينة الدولة".

والمواقف الأبرز صدرت عن قادة رأي وأبرزهم كتاب الأعمدة في صحف مختلفة. فقد أعلن هؤلاء بزخم تأييدهم لتنفيذ العقوبة، مسقطين مواقفهم الاجتماعية والدينية على عقوبة لا يرُى فيها سوى إعادة إنتاج لثقافة الثأر في مجتمع ما تزال أصوات كثيرة فيه تعتنق وتعّلي مفهوم "الأمن وسيادته" فوق "حقوق الإنسان" بوصفها "ثقافة غريبة" تروجها منظمات محلية مدعومة خارجيا كما يقول الكاتب عبدالله المجالي في مقالة له نشرت في صحيفة الدستور في اليوم التالي لتنفيذ الحكم.  ويقول الكاتب في معرض مقالته التي حملت عنوان (ولكم في القصاص حياة) "تحاول بعض المراكز الحقوقية وبعض الحقوقيين تصوير حكم الإعدام وكأنه جريمة تنفذها الدولة، لكن هذا منطق سقيم. فباستثناء بعض القيم الغربية التي برزت حديثا، فإن المستقر عليه إنسانيا أن القاتل يقتل، ولا شيء يمكن أن ينهي الغضب الذي يعتور صدور أهل المقتول سوى قتل القاتل أو العفو عنه، وإلا سندخل المجتمع في دوامة العنف والحقد والثأر".   من جهته، عبر الكاتب عمر عياصرة في مقالته "عودة عقوبة الإعدام" في جريدة السبيل المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين: "أنا شخصيا مع عودة عقوبة الاعدام الى حيز التنفيذ ولست مع املاءات جهات خارجية سيطرت علينا طوال ثماني سنوات حالت دون ان ننفذ احكام المحاكم".
ولم يقتصر الأمر على مدراء تحرير الوسائل الاعلامية، بل ذهبت المنظمة العربية لحقوق الإنسان فرع الأردن في الاتجاه نفسه. فنص بيانها على أن "تطبيق العقوبة بحق من ازهق الارواح وروع المجتمع ورمل النساء ويتم الاطفال هو انتصار للشريعة الالهيه والقانون ولارواح الضحايا وذوهيهم، فيما لن يعم السلم والامن الاجتماعي إلا بالتطبيق الفعلي للقانون ويجب على الدولة ان لا ترضخ ارادتها لاي ضغوط مهما كانت تلك الضغوط او من يمارسها ومن يقف خلفهم".

وكان مركز الدراسات الاستراتجية التابع للجامعة الأردنية والذي ينظر له كراصد وحيد لاتجاهات الرأي العام الأردني في دراسة استطلاعية له قبل تنفيذ حكم الإعدام بشهر بأن 75% من الأردنيين مع عقوبة الإعدام، لتصبح الدراسة أحد أسناد السلطات الأردنية للاستمرار في تنفيذ العقوبة.
ومقابل هذا الخطاب، كان عدد من المنظمات والكتاب يعلنون رفضهم لاعادة تنفيذ العقوبة بأسلوب لا يقل صخبا وشدة.  
وفي هذا الصدد، سجل مركز عدالة لدراسات حقوق الإنسان كمركز محلي أسبقية حين أصدر بيانا وصف فيه تطبيق العقوبة بـ"قتل بواسطة القانون، وهروباً من معالجة الأسباب الإقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تشكل دوافع اساسيه لارتكاب الجريمة".كما تميز عدد من الأقلام في رفض تنفيذ العقوبة، ومنهم رئيس تحرير صحيفة العرب اليوم، أسامة الرنتيسي برفض تطبيق الحكم متسائلا عن جدوى العقوبة ما قبل التجميد أي قبل ثماني سنوات فالجرائم هي ذاتها وإن زاد التركيز عليها إعلاميا في السنوات الأخيرة فلا يشكل ذلك مؤشرا على انتشارها بعد تجميد العقوبة.  كما اختصر الكاتب إبراهيم غرابية موقفه بمقال رمزي حمل عنوان "أحبوا أعداءكم" يكتب فيه: الإعدام لا يردع المجرمين، بل يزيد الكراهية وعدم الثقة. وهو ينشئ الخوف؛ ليس من ارتكاب الجريمة، وإنما الروح الخائفة التي لا تثق بأحد. وتمضي متوالية الخوف، فالكراهية، فالتطرف، والعنف من جديد. الحكومة تخيف المجتمعات والمسالمين أكثر مما تخيف الجناة.

أما الإحتجاجات الأممية والغربية، والتي صب مؤيدو تنفيذ العقوبة ضدها جام غضبهم،  فلم تأت إلا تبعا لاحتجاجات حقوقية، تمثلت ببيانات صحفية من منظمات إلى جانب مواقف نشطاء في وسائل إعلام أو على المواقع الالكترونية أو على صفحاتهم الخاصة على شبكات التواصل الاجتماعي. وربما صدر الاعتراض الأبرز عن المفوض السامي لحقوق الإنسان، زيد رعد الحسين، الاثنين الماضي، وهو بالمناسبة أردني الجنسية ومن أقارب الملك الأردني عبدالله الثاني، في بيان بثته إذاعة الأمم المتحدة وقد عبر فيه عن أسفه العميق لرفع الحظر على عقوبة الإعدام في باكستان والأردن في الأيام الأخيرة، مشددا على أنه لا يمكن لأي قضاء - في أي مكان – أن يكون معصوما عن الخطأ.وقد جاء في البيان: "إنه من المؤسف جدا أن تستأنف (دولتا) باكستان والأردن عمليات الإعدام، وتعكسان اتجاه تعليق عقوبة الإعدام الذي كانت الدولتان قد بدأتا العمل به في عام 2008 و2006 على التوالي". وقد أضاف البيان: "هذا أمر مخيب للآمال ولا سيما بالنظر إلى الأسبوع الماضي فقط، حيث صوتت 117 دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لصالح تعليق دولي لاستخدام عقوبة الإعدام".وقد أصدرت منظمة العفو الدولية بيانا هي الاخرى اعتبرت فيه ان العقوبة "تنطوي على تمييز، وغالباً ما تُستخدم بشكل غير متناسب ضد الفقراء وأفراد الأقليات والجماعات العنصرية والعرقية والدينية. كما يتم فرض هذه العقوبة وتنفيذها بشكل تعسفي".
وقد تبعها كل من الاتحاد الاوروبي والنرويج وسويسرا مصدرين بيانا ضمن ما يسمى البعثة الأوروبية الدبلوماسية منددين به بتطبيق العقوبة معتبرين اياها "عقوبة قاسية وغير انسانية، فضلا عن أنها عملية لا رجعة فيها وقد فشلت هذه العقوبة في توفير الردع عن السلوك الاجرامي وتمثل اسلوبا غير مقبول ينتهك الكرامة الانسانية".

وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش قد أصدرت في 14-12-2014 أي قبل أيام من تنفيذ الاعدامات، بيانا استذكرت فيه حادث اعدام إردني أدين بقتل 9 أشخاص واعترف بها تحت الإكراه في العام 2000 وتبين في العام 2005 أي بعد إعدامه بخمس سنوات بأن أحد ضحاياه كان قد قتل على يد آخر، لتخلص المنظمة بنتيجة أن نظام العدالة في الأردن فشل فشلاً مأساوياً بشأن حماية المتهمين، داعية الى إلغاء العقوبة لمنع وقوع أحداثٍ مأساوية من هذا النوع في المستقبل.

المنطمات الحقوقية مدعوة لاعادة درس طرق اقناع القوى الاجتماعية
وبعيدا عن جدوى وفاعلية تنفيذ عقوبة الإعدام والجدل العقيم بين المختلفين بالرأي، فقد كشف التطبيق وجود أصوات تكاد تصل حد الغالبية داخل المجتمع الأردني تؤيد تطبيق العقوبة لأسباب دينية وأخرى ثأرية في باطنها، مظهرة شكلا من أشكال العنف الدفين داخل نفوسهم. وهذا الأمر يبرز تحديا أمام المنظمات الحقوقية التي بات عليها اعادة ترتيب أدوات إقناعها التي وعلى ما يبدو لم تكن مفيدة على مستوى الاتجاه الشعبي أولا ثم صناع القرار ثانيا. وقد وصف الناشط الحقوقي وائل منسي الحدث بالانتكاسة للحراك المؤيد لحقوق الانسان وما تقوم به الدولة الأردنية من خطوات نحو تطبيق أوسع لمعايير حقوق الإنسان في منظومته القانونية لتضرب تلك الخطوة كل ما حققته بعرض الحائط، ذلك في معرض تعليقه للمفكرة القانونية.  وللخروج من هذه الأزمة، اقترح المحامي صدام أبو عزام في حديث للمفكرة القانونية عدة خطوات من شأنها أن تثني الدولة الأردنية عن المضي نحو تنفيذ قرار الإعدام: كالاسراع في تنفيذ دراسات تحليلية كمية ونوعية من شأنها تحليل الواقع الاجرامي وتحليل نسب الجرائم بشكل علمي،  والاسهام في تشكيل تحالفات للضغط الممنهج، وتشكيل فريق مساعدة قانونية من شأنه المتابعة مع باقي المحكومين بالاعدام وذويهم ، والتدخل بالوساطة مع ذوي المجني عليهم للصفح والعفو عنهم,    وتشاطره الرأي مسؤولة الدائرة التشريعية في اتحاد المرأة الأردنية، هالة عاهد. ف"إعادة النضال بشأن الغاء عقوبة الاعدام  يتطلب عملا منظما من جميع المنظمات الحقوقية وعلى مسارين شعبي ورسمي وبقنوات منظمة الامم المتحدة، والتعاون مع الاعلام الذي لعب – كثير منه- دورا سلبيا تجاه التحريض على اعادة تنفيذ الاعدام".
 
وكان آخر إعدام نفذه الأردن في 2006 حصل بحق اثنين ينتميان لتنظيم القاعدة أردني وآخر ليبي أدانتهما محكمة أمن الدولة بتهمة القيام “بأعمال إرهابية أفضت إلى موت إنسان بعد ثبوت اغتيالهما الدبلوماسي الأميركي فولي العام 2002 في عمان”، بتكليف من تنظيم القاعدة في العراق في ذلك الحين.  وكانت منظمات حقوقية تطالب بضرورة إتخاذ خطوة علنية بإلغائها كاملا، رغم وجود 25 نصا قانونيا يعاقب بالإعدام شنقا.